PowerIn
رئيس التحرير
عصام كامل

الدفع مقدمًا والرقابة غائبة.. علامات استفهام حول عقود العلاقات العامة بالبترول

كريم بدوي وزير البترول
كريم بدوي وزير البترول

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى ترشيد الإنفاق وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية داخل المؤسسات الحكومية، تفتح مستندات متداولة داخل قطاع البترول بابًا واسعًا من التساؤلات حول آليات إدارة تعاقدات العلاقات العامة، بعد الكشف عن بروتوكولات وعقود تتضمن سدادًا مقدمًا بالكامل لملايين الجنيهات، وتعاقدات ممتدة مع مطاعم وفنادق وشركات خدمات، وسط مخاوف متزايدة من غياب الضمانات الكافية لحماية المال العام.

الوثائق المتداولة، والتي حصلت «باور إن» على نسخ منها، تكشف تفاصيل مثيرة تتعلق بطريقة إبرام التعاقدات داخل لجنة تعاقدات العلاقات العامة بوزارة البترول، بداية من آليات السداد المسبق، مرورًا بغياب أو ضعف بعض الشروط الجزائية، وصولًا إلى تساؤلات حول كفاءة التفاوض واختيار العروض، في ظل شكاوى متزايدة داخل القطاع من مركزية القرار وتراجع دور الشركات التابعة في إدارة تعاقداتها.

ومع اتساع دائرة الجدل، يطرح عاملون وخبراء تساؤلًا مهمًا: هل تخضع هذه التعاقدات لمراجعة رقابية ومالية كافية تضمن تحقيق أفضل قيمة مقابل الإنفاق؟ أم أن الملف بات بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لضبط منظومة التعاقدات وحماية أموال الشركات التابعة للدولة؟

تفتح مستندات وعقود متداولة داخل قطاع البترول بابًا واسعًا من التساؤلات حول آليات إدارة ملف تعاقدات العلاقات العامة، بعد الكشف عن بروتوكولات واتفاقات مالية تتضمن نظام سداد مقدم بالكامل، وتعاقدات ممتدة مع مطاعم وفنادق وشركات خدمات، وسط مخاوف متزايدة من غياب الرقابة الكافية على حجم الإنفاق وآليات المتابعة والمحاسبة.

وتشير المستندات المتداولة إلى أن بعض التعاقدات التي أبرمتها لجنة تعاقدات العلاقات العامة تضمنت منح مزايا وخصومات للعاملين بالشركات التابعة للقطاع، مقابل قيام الشركات بسداد قيمة الخدمات مقدمًا بالكامل، مع وجود بنود تسمح بزيادة نسب الخصم عند تحقيق حجم مبيعات معين.

لكن اللافت – بحسب متابعين للملف – أن بعض هذه التعاقدات تعتمد على الدفع المسبق الكامل قبل تقديم الخدمة، وهو ما يثير تساؤلات حول الضمانات الحقيقية التي تحافظ على أموال الشركات التابعة للقطاع حال توقف الخدمة أو تعثر الجهة المتعاقد معها.

الدفع المسبق.. مخاطرة مالية أم آلية طبيعية؟

أخطر ما تكشفه المستندات، وفقًا لمراقبين، يتمثل في اعتماد آلية “السداد مقدمًا” بنسبة تصل إلى 100% في بعض التعاقدات، سواء المتعلقة بخدمات المطاعم أو الحجوزات أو الأنشطة الترفيهية.

ويرى متخصصون أن هذا النمط من التعاقدات قد يحمل مخاطر مالية كبيرة إذا لم يكن مصحوبًا بضمانات مصرفية أو شروط جزائية صارمة، خاصة أن بعض الجهات المتعاقد معها قد تتوقف لاحقًا عن تقديم الخدمة أو تتعرض لأزمات تشغيلية.

وتتزايد علامات الاستفهام مع وجود شكاوى غير رسمية من تعطل خدمات أو إغلاق بعض الجهات المتعاقد معها خلال فترات سابقة، دون وضوح بشأن آليات استرداد الأموال أو تعويض الشركات التابعة للقطاع.

 

غياب الشروط الجزائية يثير القلق

المستندات المتداولة كشفت أيضًا عن جدل واسع بشأن ضعف أو غياب تفعيل بعض الشروط الجزائية في العقود، وهو ما يراه البعض ثغرة إدارية ومالية قد تضعف قدرة القطاع على محاسبة الشركات المقصرة أو إلزامها بالتعويض حال الإخلال بالتعاقد.

ويرى خبراء في الإدارة والتعاقدات أن العقود الحكومية أو المرتبطة بجهات عامة يجب أن تتضمن أدوات حماية واضحة، سواء من خلال الغرامات أو الضمانات البنكية أو آليات فض النزاعات، حفاظًا على المال العام ومنع أي خسائر مستقبلية.

 

مركزية القرار داخل اللجنة

الانتقادات لم تتوقف عند طبيعة العقود فقط، بل امتدت إلى طريقة إدارة الملف بالكامل، حيث يتردد داخل القطاع أن لجنة تعاقدات العلاقات العامة أصبحت صاحبة القرار شبه المنفرد في اختيار العروض والتفاوض وإبرام الاتفاقات، بينما تراجع دور إدارات العلاقات العامة بالشركات المختلفة.

هذا النمط من “المركزية” – بحسب عاملين بالقطاع – أدى إلى تقليص قدرة الشركات على اختيار العروض الأنسب لها أو التفاوض وفق احتياجاتها الفعلية، لتتحول بعض الإدارات إلى مجرد منفذ للتعاقدات دون مشاركة حقيقية في صنع القرار.

 

تعاقدات بلا تقييم معلن

وتطرح الوقائع المتداولة تساؤلات إضافية حول آليات تقييم العروض، خاصة في ظل وجود فروق أسعار – بحسب مصادر داخل القطاع – بين بعض الخدمات المتعاقد عليها والأسعار المتاحة عبر السوق أو شركات السياحة ومنصات الحجز المباشر.

ويرى متابعون أن غياب الشفافية الكاملة في إعلان معايير الاختيار والتقييم قد يخلق حالة من الجدل داخل القطاع، خصوصًا مع ضخامة حجم الإنفاق السنوي المرتبط بملف العلاقات العامة والخدمات.

 

تساؤلات حول الكفاءة والخبرة

ومن بين النقاط التي أثارت الجدل أيضًا، إسناد بعض الملفات الحساسة إلى أفراد لا يمتلكون – بحسب مصادر مطلعة – الخبرة الكافية في مجالات التفاوض أو إدارة التعاقدات السياحية والخدمية، وهو ما قد يؤثر على كفاءة العقود المبرمة وقدرة القطاع على الحصول على أفضل العروض.

ويؤكد متخصصون أن إدارة التعاقدات الكبرى تحتاج إلى كوادر تمتلك خبرات قانونية ومالية وتسويقية، خاصة في القطاعات التي تتعامل مع موازنات ضخمة وتعاقدات متعددة الأطراف.

 

المال العام تحت المجهر

ومع تزايد الجدل داخل أوساط العاملين، تتصاعد المطالب بفتح مراجعة شاملة لملف تعاقدات العلاقات العامة داخل قطاع البترول، تشمل فحص آليات السداد، ومراجعة العقود القائمة، والتأكد من وجود ضمانات كافية لحماية أموال الشركات التابعة للدولة.

كما يطالب البعض بتفعيل أدوات الرقابة الداخلية والمراجعة الدورية على أعمال اللجنة، مع إعادة تقييم منظومة التعاقدات بالكامل لضمان تحقيق أعلى كفاءة إنفاق ممكنة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تتطلب ترشيد النفقات وتعظيم الاستفادة من الموارد.

ويرى مراقبون أن القضية لا تتعلق فقط بعقود مطاعم أو خدمات ترفيهية، وإنما تفتح ملفًا أوسع يتعلق بكيفية إدارة الإنفاق الإداري داخل المؤسسات الكبرى، ومدى التزام الجهات المختلفة بمعايير الحوكمة والشفافية وحماية المال العام.